زكريا القزويني

9

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

قد اتفق الباحثون على أنها مثل كرة الأرض مائة مرة ونيفا وستين مرة وفي لحظة تسير أكثر من قطر كرة الأرض ، وقد عرض ذلك جبريل عليه السلام حيث قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « من وقت لا إلى أن قلت نعم سارت الشمس خمسمائة عام » . ثم لينظر إلى جرم القمر وكيفية اكتسابه النور من الشمس لينوب عنها بالليل ، ثم إلى امتلائه وانمحاقه ثم إلى كسوف الشمس وخسوف القمر . ومن العجائب السواد الذي في جرم القمر فإنه لم يسمع فيه قول شاف إلى زماننا هذا « 1 » ، وكذلك في المجرة وهي البياض الذي يقال له : شرج السماء وهو على ذلك يدور بالنسبة إلينا رحوية . وعجائب السماوات لا نستطيع إحصاء عشرها لكن القدر الذي جرى في جرم القمر ذكرناه تبصرة لكل عبد منيب . ثم لينظر إلى ما بين السماء والأرض من انقضاض الشهب والغيوم والرعود والبروق والصواعق والأمطار والثلوج والرياح المختلفة المهاب « 2 » . وليتأمل السحاب الكثيف المظلم كيف اجتمع في جو صاف لا كدورة فيه ؟ وكيف حمل الماء ، وتسخير الرياح ؟ فإنها تتلاعب به وتسوقه إلى المواضع التي أرادها اللّه تعالى فترش وجه الأرض وترسله قطرات متفاضلة لا تدرك قطرة ليصيب وجه الأرض برفق ، فلو صبه صبّا لأفسد الزرع بخدشه وجه الأرض ويرسلها مقدارا كافيا لا كثيرا زائدا على الحاجة فيعفن النبات ، ولا قليلا ناقصا عن الحاجة فلا يتم به النمو كما قال تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ [ سورة المؤمنون : 18 ] ، ثم إلى اختلاف الرياح فإن منها ما يسوق السحب « 3 » ومنها من ينشرها ومنها ما

--> ( 1 ) لا شك أنه بعد تقدم العلوم وظهور التكنولوجيا الحديثة والأقمار الصناعية وصعود الإنسان على ظهر القمر قد فسر كثيرا من هذه المبهمات . وقد قيل : إن هذا السواد الذي يوجد في جرم القمر ما هي إلا منخفضات عميقة جدّا على سطح القمر تشبه البحار الجافة التي لا ماء فيها . وكل هذه الأشياء تدل على قدرته سبحانه وتعالى وللّه در القائل : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد ( 2 ) مهاب الريح : أي : مواضع هبوبها مفردها : مهب . ( 3 ) قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ فاطر : 9 ] .